أحمد بن محمد القسطلاني

115

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الحديث كلهم مدنيون إلا ابن عباس مع أنه أقام بالمدينة وفيه التحديث والعنعنة ، وهو طرف من حديث ساقه في صلاة الكسوف تامًّا ، وكذا أخرجه في باب من صلى وقدّامه نار ، وفي بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر ، وفي عشرة النساء ، وفي العلم . وأخرجه مسلم في العيدين . 22 - باب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ » . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } هذا ( باب ) بالتنوين وهو ساقط عند الأصيلي ( المعاصي ) كبائرها وصغائرها ( من أمر الجاهلية ) وهي زمان الفترة قبل الإسلام وسمي بذلك لكثرة الجهالات فيه ( ولا يكفر ) بفتح المثناة التحتية وسكون الكاف ، وفي غير رواية أبي الوقت ولا يكفر بضمها وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة ( صاحبها بارتكابها ) أي لا ينسب إلى الكفر باكتساب المعاصىِ والإتيان بها ( إلا بالشرك ) أي بارتكابه خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة والمعتزلة القائلين بأنه لا مؤمن ولا كافر ، واحترز بالارتكاب عن الاعتقاد . فلو اعتقد حلّ حرام معلوم من الدين بالضرورة كفر قطعًا . ثم استدل المؤلف لا ذكره فقال : القول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنك امرؤ فيك جاهلية ) أي إنك في تعييره بأمه على خُلُق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلاً محضًا ( وقول الله تعالى ) ولأبي ذر والأصيلي عز وجل ولأبي ذر عن الكشميهني ، وقال الله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) أي يكفر به ولو بتكذيب نبيه لأن من جحد نبوّة الرسول عليه الصلاة والسلام مثلاً فهو كافر ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر ، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } [ النساء : 48 ] ، فصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة ، فمن مات على التوحيد غير مخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب . 30 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً ، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ . إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ » . [ الحديث 30 - طرفاه في : 2545 ، 6050 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا سليمان بن حرب ) بالموحدة الأزدي البصري ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن واصل ) هو ابن حيان بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية الشددة ، ولغير أبوي ذر والوقت عن وأصل الأحدب وللأصيلي هو الأحدب ( عن المعرور ) بعين مهملة وراءين مهملتين بينهما واو ، وليس رواية ابن عساكر زيادة ابن سويد ( قال ) ولأبي ذر عن الكشميهني وقال ( لقيت أبا ذر بالربذة ) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء جندب بضم الجيم والدال المهملة وقد تفتح ابن جنادة بضم الجيم الغفاري السابق في الإسلام ، الزاهد القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة ، المتوفى بالربذة بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة منزل للحاج العراقي على ثلاث مراحل من المدينة ، وله في البخاري أربعة عشر حديثًا ( وعليه ) أي لقيته حال كونه عليه ( حلة ) بضم المهملة ولا تكون إلا من ثوبين سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر ( وعلى غلامه حلة ) أي وحال كون غلامه عليه حلة ففيه ثلاث أحوال ، قال في فتح الباري : ولم يسم غلام أبي ذر ؛ ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر ( فسألته عن ذلك ) أي عن تساويهما في لبس الحلة ، وسبب السؤال أن العادة جارية بأن ثياب الغلام دون ثياب سيده ( فقال ) أبو ذر رضي الله عنه : ( إني ساببت ) بموحدتين أي شاتمت ( رجلاً فعيّرته بأمه ) بالعين المهملة أي نسبته إلى العار ، وعند المؤلف في الأدب المفرد : وكانت أمه أعجمية فنلت منها ، وفي رواية فقلت له : يا ابن السوداء ( فقال ليس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا أبا ذر أعيّرته بأمه ) ؟ بالاستفهام على وجه الإنكار التوبيخي ( إنك امرؤ ) بالرفع خبر إن وعين كلمته تابعة للامها في أحوالها الثلاث ( فيك جاهلية ) بالرفع مبتدأ قدّم خبره ، ولعل هذا كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم ذلك ، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده ، ولذا قال له عليه الصلاة والسلام : إنك امرؤ فيك جاهلية ، وإلا فأبو ذر من الإيمان بمنزلة عالية ، وإنما وبّخه بذلك على عظيم منزلته تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك . وعند الوليد بن مسلم منقطعًا كما ذكره في الفتح أن الرجل المذكور هو بلال المؤذن . وروى البرماوي أنه لما شكاه بلال إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له : " شتمت بلالاً وعيرته بسواد أُمه " ؟ قال : نعم . قال : " حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية " فألقى أبو ذر خدّه على التراب ثم قال : لا أرفع خدّي حتى يطأ بلال خذي بقدمه . زاد ابن الملقن فوطئ خدّه اه - .